منتدى شؤون الجمعيات التربوية والثقافية والتنموية.. فضاء للحوار والتشاور وتبادل الخبرات.. منتدى الجمعويين
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مفهوم التنمية البشرية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abou_hiba_1999



المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 31/12/2008

مُساهمةموضوع: مفهوم التنمية البشرية   الخميس 1 يناير 2009 - 8:47

لا يأتي تعقد مفهوم التنمية من تعقد ظاهرة التنمية في حد ذاتها ، أو من السيرورة التاريخية التي تعمل بداخلها، بل و أيضا من الطبيعة المركبة للمفهوم ذاته، وتعدد أبعاده و اختلاف مستوياته.

و الواقع أن مفهوم التنمية لم يأتي إلا بصيغة التقدم « المادي» و لم يعتمد في الأدبيات الماركسية إلا من باب توصيف عمليتي التحديث و العصرنة التي كانت تتخد من البعد المادي و الكمي المرجعية و المقياس.

و على هذا الأساس فإن إنتاج الثروة كان و لزمن طويل هدف علم الإقتصاد و منتهاه، و لم يكن البشر إلا عنصرا من عناصر الإنتاج، بحيث أن الإنسان هنا يبدو وسيلة لإنتاج الثروة ، على اعتبار أن هذه الأخيرة وسيلة لتطوير طاقات الإنسان الجسدية و العقلية ليعاود عملية الإنتاج على نطاق أوسع.

إلا أن على الرغم من شيوع أطروحة الرأسمال البشري في الخمسينيات فإن جوهر تصور مكانة الإنسان بقي على ما كان عليه، إذ لم يؤدي هذا التطور « الأكاديمي» إلى الإهتمام بالإنسان بقدر ما تم التركيز عليه من منظور دوره في خدمة العملية الإنتاجية تراكما و توسعا. بمعنى أن اكتشاف دور المهارات و الكفاءات و الخبرات جاء على اعتبار أن الرأسمال البشري عاملا مستقلا في نمو إتاجية العمل و الزيادة في الإنتاج على المستويين الكمي و النوعي١. وهذا ما جعل مفهوم التنمية يتداخل في كليته مع مفهوم النمو ذي المحتوى الكمي مما يستدعي التمييز بين المفهومين: النمو و التنمية، و إبراز الأبعاد المتداخلة بينهما ، و الظروف المتباينة التي تميز كلا منهما عن الآخر و ذلك للوصول إلى منهج تكاملي بين ظواهر النمو المادي و عناصر التنمية البشرية. وفي تحليله لمفهوم النمو يعتبر جوزيف شومبيتر j.chompiter

أن النمو يشير إلى النمو الإقتصادي و الذي يمكن الإستدلال عليه في حجم ارتفاع نصيب الفرد من الدخل القومي خلال الدورة الإقتصادية للمواد المتاحة. فالنمو هو نمو في حجم الإنتاج الكلي الخام، و الذي يشير إلى مجموع السلع و الخدمات التي تم الحصول عليها خلال فترة زمنية محددة، و لذلك فمفهوم النمو ينطوي على الزيادة في الإنتاج. النمو إذن ظاهرة تدريجية و تراكمية و هذا يعني ضمنيا أن عملية النمو في الغالب تكون بطيئة٢، و هكذا فالنمو مفهوم كمي يطلق على الزيادة في الإنتاج.

و لقد اعتبر جوزيف شومبيتر أن التنمية تعني في الواقع تحقيق تغيرات جوهرية و تكنولوجية و اجتماعية و سياسية بالإظافة إلى تغيرات في الإقتصاد. فالتنمية لم تقوم على معطى اقتصادي محض ، بحيث أن استراتيجية التراكم الرأسمالي و إن كانت هي الأساس الذي قامت عليه التنمية الإقتصادية بالنسبة للدول المتقدمة، إلا أن الواقع يشير إلى فقر عوامل أخرى مساندة كقوى العمل و المهارات و الكفاءات التنظيمية والتطورات التكنولوجية المتتابعة و المرتبطة بالحضارة ، و أنماط من السلوك مرتبطة بأخلاق العمل، و بالإتجاهات العامة نحو العمل الصناعي.

و هكذا فالتنمية لم تعد تتلخص في تحقيق الزيادة في حجم الدخل القومي أو الفردي ، إنها تتضمن اعتيارات أكثر إلحاحا من تلك الإعتبارات التي يتضمنها مفهوم «النمو» كإنجاز تغيرات أساسية نحو الأفضل في مختلف أوجه الأبنية الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية التي تؤثر في إنتاجية المجتمع و بالذات في مجال التنمية البشرية٣. لقد أكدت تجارب الدول النامية وجود اختلافات عميقة تحد من إقامة علاقة بين مختلف النظم و بين ظواهر النمو الإقتصادي في كل المجتمعات ، حيث أتبثت التجربة اختلاف الموارد المادية و البشرية، و أساليب الإدارة السياسية ، و عمليات التنظيم ، بالإضافة إلى عدم تجانس مراحل التطور في كل المجتمعات ، و حتى بالنسبة للبلدان المتقدمة فقد ظهر فيها تفاوت في أنماط و مستويات التطور و نماذج التنمية المتبعة، نجم عنه تفاوت في النتائج سواء من حيث سرعة النمو أو مستوى تعميم المكاسب الإقتصادية و الإجتماعية على فئات المجتمع.

و بناءا على ذلك فإن المفهوم المجرد للنمو ليس له قيمة ، إنه أساس غير ملائم لبناء سياسة اقتصادية، حيث يقترح في الغالب نموذجا معينا مبنيا على أسباب غير ذات صلة تماما بالواقع الإجتماعي .

إن تحليل مفهوم النمو كما حدد و استخدم نظريا خلال السنوات الثلاثين الماضية، يجعلنا نطرح مجموعة من الأسئلة:

النمو من أجل ماذا و لأية غاية و بأية شروط ...

إن هذه التساؤلات تشكل قاعدة مطالب الدول النامية، والتي عجزت نظرية النمو الإجابة عليها، بحيث لم يعد تحقيق الزيادة في حجم الدخل القومي أو ارتفاع نصيب الفرد من الدخل هو الهدف النهائي للتنمية. كما أن الأرقام و الإحصاءات و البيانات الكمية عن «النمو» على الرغم من كثرتها و تنوعها لا تعطي الصورة الحقيقية عن الوضع الإقتصادي و الإجتماعي في بلد ما. كما أن من الصعب إخضاع تلك البيانات للتحليل خصوصا في مجال دراسة نتائج التنمية نظرا لتدخل مجموعة من العوامل الكمية و الكيفية التي تؤثر على السكان.

وهكذا فإن مفهوم النمو يمكن اعتباره جزء من ظاهرة التنمية البشرية التي تشمل ما هو اجتماعي و اقتصادي و ثقافي و سياسي.

بحيث أن مفهوم التنمية البشرية في العمق هو عملية مستمرة في الزمان و المكان من أجل توسيع خيارات الإنسان التي تتجلى في الأنشطة اليومية «اجتماعية ، اقتصادية ، ثقافية، سياسية...» . و يعتبر الإنسان مكون أساسي في عملية التنمية ككل حيث أن التنمية مهما كان ميدانها فهي تمس المورد البشري و نظرته إلى الأمور٤.

إن مفهوم التنمية البشرية يعبر عن انشغال إنساني دائم يتجلى في تحقيق الرخاء الإجتماعي و ضمان العدالة بين مختلف الاجناس . و يقوم المفهوم كذلك على أن البشر هم الثروة الحقيقية للأمم ، وأن التنمية البشرية تتجلى في توسيع خيارات الإنسان، و هذا يعني مركزية الحرية في عملية التنمية البشرية التي تهدف إلى التوصل لمستوى راق في الرفاه الإنساني .

و معنى هذا أن التنمية البشرية عبارة عن منهج للتنمية الشاملة ، المتكاملة للمؤسسات المجتمعية و التي تسعى إلى ضرورة توسيع خيارات البشر بهدف تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى بتجاوز المفهوم المادي للرفاه الإنساني إلى الجوانب المعنوية و الحياة الإنسانية الكريمة التي تشمل التمتع بالحرية السياسية و الإقتصاية و الإجتماعية و توافر الفرص لإكتسات المعرفة و الإنتاج و الإبداع و الإستمتاع بالجمال و الكرامة الإنسانية ، و تحقيق الذات دون تمييز بين البشر استنادا إلى أي معيار كان ، النوع أو الأصل، أو المعتقد أو الجنس في مجتمع ديمقراطي يقوم على التمثيل الصحيح والمساءلة التي هي الأساس و المحيلة على شتى ضروب الحكم الصالح.

ومعناه فوق كل هذا و ذاك الإعتراف بأن الثراء ليس شرطا لتحقيق الكثير من الأهداف المهمة للأفراد و المجتمعات مثل الديمقراطية و المساواة بين الجنسين أو الحفاظ و تطوير الثرات الثقافي، كما أن الثروة لا تضمن الإستقرار الإجتماعي أو التماسك السياسي، هذا فضلا على أن حاجات الإنسان ليست كلها مادية، فالحياة المديدة الآمنة و تذوق العلم و الثقافة و توفير الفرص لممارسة النشاطات الخلاقة وحق المشاركة في تقرير الشؤون العامة ، و حق التعبير و الحفاظ على البيئة من أجل الأجيال الحالية و المقبلة ، مجرد بعض الأمثلة على حاجات و حقوق غير مادية قد يعتبرها المرء أهم من المزيد من الإنتاج، بالمقابل فإن التلوث البيئي و ارتقاع معدلات الجريمة و العنف و الأمراض في الكثير من البلدان تعتبر عائق نحو التنمية.

إن العنصر البشري يشكل ركيزة أساسية في عملية التنمية المتكاملة ، بحيث أن مفهوم التنمية البشرية ينظر إلى الناس بوصفهم الثروة الحقيقية لأي مجتمع ، و عليه فإن الهدف الأساسي للتنمية يجب بالضرورة أن يتمثل في توفير البيئة الملائمة للبشر ليتمتعوا بحياة سعيدة ، كما أنه يعني عملية توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس.

ولهذا فإن التنمية البشرية من هذا المنظور تهدف إلى تشكيل و بناء القدرات الإنسانية ، ثم انفتاح الناس بقدراتهم المكتسبة على مجالات العمل. ونخلص من هذا التعريف أن مفهوم التنمية البشرية يحمل مضمون أشمل و أعمق لدور و مستوى و أسلوب استفادة الفرد من عملية التنمية ككل.

وإذا خلصنا إلى كون أن التنمية لا تعني فقط الزيادة في إنتاج السلع بل تعني كذلك تنمية البشر و إثارة و تحفيز قدراتهم الفطرية و زيادة ثقتهم بأنفسهم ، فلا يمكن النظر إليها بوصفها عملية التراكمات المادية للثروة، فهي أكثر من التوسع في عملية التصنيع، أو الزيادة في التحضر و التقنية، و ارتفاع مستويات المعيشة و نمو الإستهلاك ، أي أنها تحمل مضمونا أكبر من التعبير عنها بمستويات الدخل الفردي ، و لذلك فإن التنمية ليست هندسة الإقتصاد فقط ، فهي يجب أن تفهم تحت شروط القيم أو الأبعاد الثقافية للحياة الإقتصادية و الإجتماعية التي لها تأثيرات كبيرة على تنمية القدرات البشرية .

المراجع: ١ـ مجلة وجهة نظر، العدد ٢٩ صيف ٢٠٠٦ ، ص٣٢. ٢ـ علم احتماع التنمية، جهينة سلطان العيسي، زكزياء خضور، كلثوم علي الغانم، مطبعة الأهالي للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى ١٩٩٩، ص٣٧. ٣ـ نفس المرجع ص٣٩. ٤ـ مصطفى حجازي: التخلف الإجتماعي ، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الطبعة التاسعة٢٠٠٥،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مفهوم التنمية البشرية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـنتـديات الجمعـيات :: قـسـم الانـشطة الـجمعـويـة :: مـنتـدى الـتنميـة الـبشريـة-
انتقل الى: